محمد علي سلامة

115

منهج الفرقان في علوم القرآن

( الشبه التي وردت على جمع القرآن وردها ) قد تمسك بعض الطاعنين على جمع القرآن بشبه أكثرها في الأصل مما أورده بعض الكاتبين وأجاب عنه ، ولكن شغف هؤلاء الطاعنين بالطعن جعلهم يوردون هذه الاعتراضات كشبه وينقلونها دون الرد عليها وزادوا من مخيلاتهم ما شاءت لهم أوهامهم وسنورد كل شبهة ونتبعها بالرد عليها : ( أولا ) من الشبه قالوا كيف يكون جمع القرآن عن ملأ من الصحابة واتفاقهم مع أن عبد اللّه بن مسعود وهو ذو المكانة العظمى في الإسلام وله السوابق الجليلة ، قد كره لزيد بن ثابت نسخ المصاحف وقال : يا معشر المسلمين أعزل عن نسخ المصاحف ، ويتولاه رجل واللّه لقد أسلمت ، وإنه لفى صلب رجل كافر ، يريد زيد بن ثابت فهذا يدل على أنه لم يكن موافقا على هذا الجمع . ( ويجاب ) بأن قول ابن مسعود هذا لا يفيد إلا أنه كان يرى أنه أحق بالتقديم في هذا الشأن من زيد بن ثابت رجاء زيادة المثوبة في جمع القرآن ولم يبد منه ما يدل على عدم الموافقة على جمع القرآن ولا شك في أنه بعد زوال الغضب عنه عرف حسن اختيار عثمان ومن معه من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وبقي على موافقتهم وترك الخلاف . كيف ولم يكن اختيار زيد من جهة أبى بكر وعمر وعثمان إلا لأنه كان أحفظ للقرآن ، ولما اجتمع فيه من الصفات التي تؤهله لهذا المنصب العظيم ، انظر إلى قول أبى بكر له : « إنك رجل شاب عاقل ، ولا نتهمك ، كنت تكتب الوحي لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم » فقد وصفه في هذه الجمل بأربعة أوصاف هي التي يجب توافرها جميعها فيمن يعهد إليه بهذا العمل الجسيم والأمر الخطير وهي « الشباب » المقتضى للقوة والصبر والجلد « والعقل » الذي هو جماع الفضائل و « الأمانة وعدم التهمة » وهي مجمع مكارم الدين والدنيا « وكتابة الوحي » لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وبها يتم التوثق والاطمئنان .